ابن رشد

206

تهافت التهافت

فهذا هو الذي حرك هؤلاء القوم أن يعتقدوا أن هذه الذات التي وجدوا أنها مبدأ العالم أنها بسيطة ، وأنها علم وعقل . ولما رأوا أن النظام الموجود هاهنا في العالم وأجزائه هو صادر عن علم متقدم عليه قضوا أن هذا العقل والعلم هو مبدأ العالم الذي أفاده أن يكون موجودا وأن يكون معقولا ، وهذا بعيد من المعارف الإنسانية الأول ، والأمور المشهورة بحيث لا يجوز أن يفصح للجمهور عنه ، بل لكثير من الناس ، والإفصاح به حرام لمن وقع له اليقين به لمن لا سبيل له إلى وقوع اليقين به ، لأنه كالقاتل له . وأما تسميتهم ما فارق المادة جوهر ، فإنهم لما وجدوا الحد الخاص بالجوهر أنه القائم بذاته ، وكان الأول هو السبب في كل ما قام من الموجودات بذاتها ، كان هو أحق باسم الجوهر ، واسم الموجود ، واسم العالم ، واسم الحي ، وجميع المعاني التي أفادها في الموجودات ، وبخاصة ما كان منها من صفات الكمال . وأما سائر ما شنع به هذا الرجل على هذا المذهب فهو شيء غير ملتفت إليه إلا عند الجمهور والعامة من الناس ، وهم الذين يحرم عليهم سماع هذا القول . فقوله وأي جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خير له بما يجري في العالم ولا بما يلزم ذاته ويصدر منه إلى آخر ما قاله . هو كلام باطل كله ، فإنهم إن وضعوا ماهية منزهة عن المحل كانت منزهة عن الصفات ولم تكن محلا للصفات ، إلا أن تكون في محل فتكون مركبة من : طبيعة القوة ، وطبيعة الفعل ، وهو ذو الماهية الموجودة بإطلاق فالموجودات إنما صارت ذات ماهية به ، وهو الموجود العالم بالموجودات بإطلاق ، من قبل أن الموجودات إنما صارت موجودة ومعقولة من قبل علمه بذاته ، وذلك أنه إذا كان هو السبب في كون الموجودات موجودة ومعقولة ، وكانت موجودة بماهياتها ومعقولة بعلمه ، فهو علة كون ماهياتها موجودة ومعقولة ، والقوم إنما نفوا عنه أن يكون علمه بالموجودات على نحو علم الإنسان بها الذي هو معلول عنها ، فعلمه بالموجودات على الضد من علم الإنسان إذ قد قام البرهان على هذا النوع من العلم .